اسماعيل بن محمد القونوي
383
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأولى تركه والاكتفاء بقوله وتطييبا لنفوسهم أي لقلوبهم وإلا فجميع عقول العقلاء لا توازن عقله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم فظهر أولوية ترك استظهارا مع أن بين القولين نوع تنافر . قوله : ( وتمهيدا لسنة المشاورة للأمة ) في مطلق الأمر أمر الحرب وغيره إذ صحة المشاورة في غير أمر الحرب علمت بدلالة النص على ما اختاره المص وأما إذا جعل الأمر عاما كما ذكرنا فالأمر واضح وفيه تنبيه على أن الأمر ليس للوجوب وهذا كما هو تمهيد لسنة المشاورة كذلك قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا [ آل عمران : 159 ] تمهيد لترغيب الأمة على ترك الفظاظة والغلظة في عموم الأوقات لا سيما في تعليم الأحكام الشرعيات وتبيين الأمور المهمات ثم المراد بالأمر أمر الدين والدنيا لا الدنيا فقط لأن الأصح الاجتهاد له عليه السّلام جائز وبعد الاجتهاد والمشورة فما وافق رأيه عمل به وما خالفه تركه من غير لوم وهم في ذلك مأجورون بأجر عظيم حيث استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه وعدم العمل بما استنبطوا لا ينافي تطييب نفوسهم لما عرفت أنهم يعرفون أن في ذلك أجرا وثوابا وبذلك يحصل لهم تطييب القلوب فلا وجه لما نقل عن الجصاص من أنه قال هذا في الأحكام غير جائز لأنه إذا لم يكن ما استنبطوه معمولا به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم ورفع أقدارهم وهذا عجب منه إذ لا تطييب مثل تطييب نفوسهم بالاغراء على تحصيل المبرات بأتعاب الأرواح في الوصول إلى الصواب بالنظر إلى الأدلة والأمارات . قوله : ( فإذا وطنت نفسك على شيء بعد الشورى ) مستفاد من كلمة الفاء . قوله : ( في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك فإنه لا يعلمه سواه ) فلا تعتمد على عزمك بعد الشورى ففائدة المشاورة للتطييب ومراعاة الأسباب في الجملة تعليما للأمة وإن كان الخواص غير ملتفتين إليه . قوله : ( وقرىء فإذا عزمت على المتكلم أي فإذا عزمت لك على شيء وعينته لك فتوكل علي ولا تشاور فيه أحدا ) أي بالوحي ولو غير متلو وهذا دليل على ما ذكرناه من أن المشاورة فيما إذا لم يكن وحي قوله وعينته لك فيه تنبيه على أن المراد بالعزم المسند إليه تعالى غايته كما في سائر الأفعال النفسانية وهي التعيين هنا حاجة ولكنه أراد أن يستن به بعده وعن أبي هريرة ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » . قوله : فتوكل على اللّه في إمضاء أمرك على ما هو أصلح أي على ما هو الأصلح بعد العلم به بالمشاورة قالوا فيه إشارة إلى أن التوكل ليس هو أن يهمل الإنسان نفسه وإلا لكان الأمر بالمشاورة للأمر بالتوكل بل التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة لكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحق كما قال عليه الصلاة والسّلام قيدها وتوكل على اللّه .